فخر الدين الرازي

295

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

زجروه ما كان يفيد أنه تأذى منهم لأن في السعة يقال : آذوني ولكن ما تأذيت ، وأما أوذيت فهو كاللازم لا يقال إلا عند حصول الفعل لا قبله ، ومنهم من قال : وَازْدُجِرَ حكاية قولهم أي هم قالوا ازدجر ، تقديره قالوا : مجنون مزدجر ، ومعناه : ازدجره الجن أو كأنهم قالوا : جن وازدجر ، والأول أصح ويترتب عليه قوله تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 10 ] فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) ترتيبا في غاية الحسن لأنهم لما زجروه وانزجر هو عن دعائهم دعا ربه أني مغلوب وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرئ إني بكسر الهمزة على أنه دعاء ، فكأنه قال : إني مغلوب ، وبالفتح على معنى بأني . المسألة الثانية : ما معنى مغلوب ؟ نقول فيه وجوه الأول : غلبني الكفار فانتصر لي منهم الثاني : غلبتني نفسي وحملتني على الدعاء عليهم فانتصر لي من نفسي ، وهذا الوجه نقله ابن عطية وهو ضعيف الثالث : وجه مركب من الوجهين وهو أحسن منهما وهو أن يقال : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يدعو على قومه ما دام في نفسه احتمال وحلم ، واحتمال نفسه يمتد ما دام الإيمان منهم محتملا ، ثم إن يأسه يحصل والاحتمال يفر بعد اليأس بمدة ، بدليل قوله تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ * [ الكهف : 6 ] ، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] وقال تعالى : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * [ المؤمنون : 27 ] فقال نوح : يا إلهي إن نفسي غلبتني وقد أمرتني بالدعاء عليهم فأهلكهم ، فيكون معناه [ إني ] مغلوب بحكم البشرية أي غلبت وعيل صبري فانتصر لي منهم لا من نفسي : المسألة الثالثة : فانتصر معناه انتصر لي أو لنفسك فإنهم كفروا بك وفيه وجوه أحدها : فانتصر لي مناسب لقوله مغلوب ثانيها : فانتصر لك ولدينك فإني غلبت وعجزت عن الانتصار لدينك ثالثها : فانتصر للحق ولا يكون فيه ذكره ولا ذكر ربه ، وهذا يقوله قوي النفس بكون الحق معه ، يقول القائل : اللهم أهلك الكاذب منا ، وانصر المحق منا . ثم قال تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 11 ] فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) عقيب دعائه وفيه مسائل : المسألة الأولى : المراد من الفتح والأبواب والسماء حقائقها أو هو مجاز ؟ نقول فيه قولان أحدهما : حقائقها وللسماء أبواب تفتح وتغلق ولا استبعاد فيه وثانيهما : هو على طريق الاستعارة ، فإن الظاهر أن الماء كان من السحاب ، وعلى هذا فهو كما يقول القائل في المطر الوابل جرت ميازيب السماء وفتح أفواه القرب أي كأنه ذلك ، فالمطر في الطوفان كان بحيث يقول القائل / فتحت أبواب السماء ، ولا شك أن المطر من فوق كان في غاية الهطلان . المسألة الثانية : قوله تعالى : فَفَتَحْنا بيان أن اللّه انتصر منهم وانتقم بماء لا بجند أنزله ، كما قال تعالى : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [ يس : 28 ، 29 ] بيانا لكمال القدرة ، ومن العجيب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأهلكهم بمطلوبهم .